سيد محمد طنطاوي
477
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وشداد : جمع شديد ، وهو المتصف بالقوة والشدة ، يقال : فلان شديد على فلان ، أي : قوى عليه ، بحيث يستطيع أن ينزل به ما يريد من الأذى والعقاب . أي : هذه النار من صفاتها - أيضا - أن الموكلين بإلقاء الكفار والفساق فيها ، ملائكة قساة في أخذهم أهل النار ، أقوياء عليهم ، بحيث لا يستطيع أهل النار أن يفلتوا منهم ، أو أن يعصوا لهم أمرا . وهؤلاء الملائكة من صفاتهم كذلك أنهم لا يعصون للَّه - تعالى - أمرا . وإنما ينفذون ما يكلفهم - سبحانه - به تنفيذا تاما . قال صاحب الكشاف : فإن قلت أليس الجملتان - لا يعصون . . ويفعلون في معنى واحد ؟ قلت : لا فإن معنى الأولى أنهم يتقبلون أوامره ويلتزمونها ولا يأبونها ولا ينكرونها ، ومعنى الثانية : أنهم يؤدون ما يؤمرون به ، ولا يتثاقلون عنه ولا يتوانون فيه . ثم بين - سبحانه - ما تقوله الملائكة لأهل النار عندما يعرضون عليها فقال : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ ) * والمراد باليوم ، يوم القيامة فأل فيه للعهد . أي : تقول الملائكة لهم في هذا اليوم العسير على سبيل التبكيت والتوبيخ - لا تعتذروا - أيها الكافرون عن كفركم ، بأن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير أو بأن غيرنا أضلنا ، أو بأننا ما كنا مشركين . . . فإن هذه الأعذار لن تنفعكم ، وأنتم في هذا اليوم إنما تعاقبون على كفركم في الدنيا ، وعلى إصراركم على ذلك حتى أدرككم الموت . فالآية الكريمة توبيخ للكافرين ، وتيئيس لهم من قبول أعذارهم الكاذبة . ثم يرشد - سبحانه - المؤمنين ، إلى ما يعينهم على الوقاية من النار فيقول : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّه تَوْبَةً نَصُوحاً . . . ) * . والتوبة : العزم الصادق على عدم العودة إلى المعصية والندم على ما فعله منها في الماضي ، والنصوح صيغة مبالغة من النصح ، وصفت بها التوبة على سبيل الإسناد المجازى ، والمقصود وصف التائبين بها ، من نصح فلان التوب إذا خاطه ، فكأن التائب يرقع ما مزقه بالمعصية . أو من قولهم : عسل ناصح . وقد ذكروا في معنى هذه الجملة أكثر من عشرين وجها . قال القرطبي ما ملخصه : اختلفت عبارة العلماء ، وأرباب القلوب ، في التوبة النصوح على ثلاثة وعشرين قولا ، فقيل : هي التي لا عودة بعدها ، كما لا يعود اللبن إلى الضرع . وقال قتادة : النصوح الصادقة الناصحة . . الخالصة .